مجموعة مؤلفين
250
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
يغيب عنه شئ ولا نفسه ، بوجه من الوجوه . فلا يقال في هذا الغيب المحقق ، بالنسبة إلينا : إن غيبه شهوده . فإن غيبه لنا غيب دائما أبدا ، وبالنسبة إليه - تعالى ! - شهادة محضة ، لا غيب فيها . ولكن له - تعالى : - مشاهد ومناظر تعينت بالتجليات الذاتية ، ولا وجود لها إلّا بتجليات الحق بها إلينا . فتلك المناظر هي الغيب الإضافى ، الذي يصح أن يقال فيه : غيبه شهوده . فإن الحق غيب فيه ، في عين كونه فيه مشهودا لنا . . . « فمناظر الحق ومراتب ظهوره كالمرايا للظاهر فيها . فإن الظاهر مشهود فيها . وشهوده فيها عين غيبه . إذ ليس لحقيقة الظاهر بها فيها شئ . وليس عكس الحقيقة فيها عينها ، بل غيرها . ولذلك قابل يمين الظاهر بها يسار عكسه . . . فالمناظر هي تدرك الناظر ، وهي توجهات خاصة من الحق - تعالى ! - أظهرت آثارها في كل موطن ، بحسب ذلك الموطن . ولهذا تفاوت إدراك أهل التجلّى بقدر قوة استعدادهم وتحققهم من التمكين . ولو كانت الذات المنزّهة ، من حيث هي ، ( هي ال ) مشهودة لما صح أن يختلف أثرها ، ولا كان يقع التفاضل في شهودها . . . « فالغائب المشهود من غيبه إضافة » . . . « فانصرف » . . . الجنيد « وهو يقول : الغيب » ، أي المحقق ، « غائب في الغيب » ، أي في نفسه . ومن كانت غيبته باقتضاء ذاته فلا يحضر أبدا . « وكنت في وقت اجتماعي به . . . قريب عهد بسقيط الرفرف . . . » . يشير إلى أن الجنيد - قدس سره ! - إنما ظهر بتحلية ( - بحلية ) اقتضاها مقام سقيط رفرف بن ساقط العرش . إذ من مقتضى مقامه إطلاق ما من شأنه أن يتقيد . وهو رجل واحد في كل زمان ، يسمى بهذا الاسم على مقتضى مقامه . وعليه مدار فلك هذا المقام . وهو على مشهد حقيقة كلية منطبعة في العرش المحيط ، مشاهد فيها وحدة المعنى والعين والكلمة في المركز الأرضي أيضا . « وتسمى هذه الحقيقة ، باعتبار سقوطها من العرش على الأرض ،